والدي الشهيد .. أهلي الشهداء
لم تغب بعد مشاهد الحرب على غزة، ولا يزال الغزيون يلملمون الجراح، ويبحثون عن المفقودين ويدعون للجرحى الذين تربطهم بالحياة بعض الأجهزة الاصطناعية .
حرب غزة الشاهدة على حجم العدوان الإسرائيلي الذي تجاوز كل الخطوط، تركت لنا الكثير من المشاهد التي لا يغيّبها زمان أو مكان، وكانت صور المجازر التي ارتكبت بحق العائلات الفلسطينية هي الأشد، ومشاهد فرق الإنقاذ والإسعافات وهم ينتشلون الجثث التي كانت بغالبها لأطفال ونساء، دليل لا يقبل تأويلاً على حجم الحقد الأسود الذي يحمله الاحتلال الإسرائيلي لكل ماهو فلسطيني، كماتركت لنا هذه الحرب دلالات لا يمكن أن تغيب عندما التحم دم القادة مع الجنود والشعب، وعندما دمرت منازل القادة وارتقوا وأبناءهم وأزواجهم مع دماء بقية العائلات..
عائلة الدكتور الشهيد نزار ريان القائد في حركة حماس _الذي تولى عضوية مكتبها السياسي لعدة دورات متتالية_ وصورها المفجعة أكدت وحدة الدم واتحاد حجم التضحية والبذل بين القائد وشعبه.
بلال نجل الدكتور نزار ريان خص الجزيرة توك بمقالة سجل فيها جزءاً كبيراً من سيرة والده، ومواقف من حياته وذكرياته مع باقي العائلة، التي استشهد منها 17 فرداً، نعرضها في جزئين.
الرسالة الأولى
أهل بيتنا الكرام …
بلال نزار ريان - الجزيرة توك - خاص
والدتي الغالية الحبيبة أم بلال الأم الصابرة المجاهدة عاشقة الشهادة في سبيل الله، كيف لا وهي أول من قدمت ابنها للشهادة في سبيل الله وودعته، ونام في حضنها قبل خروجه للعملية الاستشهادية، فلقد كان أخي إبراهيم الشهيد ورفيقه عبد الله شعبان “رحمهما الله” أول من اقتحم المستوطنات الصهيونية: “مستوطنة إيلي سيناي” بتاريخ 2-10-2001 م ولم يكمل إبراهيم يومها عامه السابع عشر، ومكنه الله عز وجل –بصحبة رفيقه- من قتل أربعة جنود وإصابة ما يقرب من عشرين، والإثخان في العدو، ويومها قال عدو الله شارون: ” إنها ليلة صعبة على دولة إسرائيل”.
لقد كانت والدتي رحمها الله هي وجميع زوجات أبي “خالاتي” رحمهن الله يذهبن إلى بيوت الشهداء يواسينهم ويصبرنهم، ويخففن عنهم المصاب حتى في آخر يوم من حياتهن ذهبن إلى بيوت العزاء، وكان آخر بيت ذهبن إليه هو بيت الشهيدة - زوجة الشهيد - فاطمة صلاح رحمها الله ، كلهن بلا استثناء كن يتمنين الشهادة في سبيل الله، ويدعين الله أن يرزقهن الشهادة، فصدقن الله فصدقهن الله ،سيفتقدك المرابطون يا حبيبة القلب في منتصف الليل، وأنت تجودين بأفضل ما لديك من طعام وحلوى.
خالتي أم عبد الرحمن زوجة أبي الثانية رحمها الله، كم كانت محافظة على صلواتها في المسجد، هي وباقي زوجات أبي وكانت تحافظ على قيام الليل والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان هي وباقي الخالات الطيبات.
أذكر موقفًا في معركة أيام الغضب عندما اشترى والدي رحمه الله مستلزمات الإسعاف الأولي، وجهزها لخالتي أم عبد الرحمن لإسعاف المجاهدين والمرابطين، _ فهي تحمل شهادة عليا في التمريض وعملت فترة طويلة في تدريس التمريض في أحد أرفع معاهد غزة _ فأحضر لها والدي الأدوات اللازمة إن احتاج الأمر لذلك، وعلى الفور أعدت نفسها وهيأتها لهذا الأمر، وكانت فرحة بذلك فرحًا شديدًا وفخورة به.
خالتي أم علاء الزوجة الثالثة لوالدي خالتي الحنونة صاحبة القلب الطيب الرقيق -وكلهن طيبات طاهرات- لقد كانت رحمها الله معطاءة جدًا، تعطف على الجميع، وتحمل هموم الآخرين وتواسيهم حتى إنها كانت تبكي لهموم الناس وآلامهم، وتدعو الله أن يفرج عن المسلمين كربهم.
لقد أكرمها الله بأن رابطت ليلة مع والدي من ليالي الرباط المباركة، ولقد كانت تتهيأ رحمها الله لمناقشة رسالة الماجستير في قسم التفسير بكلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية بغزة، ولكن الله شرفها بالشهادة في سبيله، وهي أعظم من أي شهادة من شهادات الدنيا شهادة كتبتها بدمائها الطاهرة .
خالتي أم أسامة بن زيد الحافظة لكتاب الله، الحاصلة على درجة البكالوريوس بكلية أصول الدين، وطالبة الماجستير بقسم الحديث الشريف بكلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة, والمدرّسة للتربية الإسلامية بمدارس الابتدائية، لقد كانت كباقي زوجات والدي الحبيب معطاءة محبة للخير والجهاد، رحمهن الله جميعًا، وأسكنهن الفردوس الأعلى، وجمعنا بهم عن قريب.
أما إخوتي الأحباب والذين كلما تذكرتهم وتردد صدى ضحكاتهم في أذني، وفي الصورة المقابلة لها أتذكر كيف مزقتهم يد الغدر الصهيونية إلى أشلاء ولم ترحم طفولتهم وبراءتهم، إن قلبي على هؤلاء يتفطر ويبكي دماً، ولن يشفي غليلَنا إلا زوالُ إسرائيل، أسأل الله أن يتم ذلك عاجلاً غير آجل، لكن عزاؤنا أنهم مضوا في سبيل الحق .. في سبيل الله .
إخوتي الذين مضوا مع والدي أحد عشر طفلا أكبرهم غسان ذو الستة عشر ربيعًا : غسان فقد إحدى حبيبتيه في أيام حصار المجاهدين في بيت حانون، وخرج في مسيرة مدنية لفك حصارهم، ومكن الله لهم ذلك، وأول كلمة قالها بعد أن علم بفقد عينه وهو في المستشفى: الحمد لله أنني أستطيع أن أقنص بعيني الثانية.
غسان كان نائما في غرفته لحظة القصف، كان مستلقيًا على سريره متخففا من أعباء يعرفها قلة من الن



























في مكان ما في حي الزيتون، وبعد ترتيبات معقدة، تمكنا من مقابلة مجموعة من مقاتلي الجبهة الأمامية لكتائب القسام في حي الزيتون ، والذي تقدر مساحته بستة كيلومترات، أي ما يقارب نصف مدينة غزة، وقد كان أول منطقة وطئتها قوات الاحتلال في الحرب البرية على قطاع غزة، و منه خرج آخر جندي في ذات الحرب
ربما كانت المصادفة هي التي أدخلتني منزل رئيس الوزراء الفلسطيني للحكومة غير الشرعية كما يصفها الرئيس أبو مازن ، الذي دخلت كاميرا الجزيرة توك منزله في غزة سابقا وتجولت في أروقته فور الحسم العسكري، وقد نقلت لكم ذلك عبر تقرير أعددته حينها تجدونه 









الجميع يشاهد غزة المدمرة التي طال العدوان الإسرائيلي كل مناحي الحياة فيها ولم يترك البشر والحجر،فما أن تبدأ ساعات الليل الطويلة حتى تزداد أصوات الانفجارات والاشتباكات التي تقتل صمت الليل لتملئ سماءه بسحابات دخان بيضاء تغطي سواده وتتفنن الطائرات والدبابات والبوارج الصهيونية في قتل الأطفال والنساء بمشاهد لا تصفها كلمات، إلا الصور التي تنقل عبر شاشات التلفزة من مذابح جماعية وتقتيل يطال الصغير قبل الكبير وتدمير لم يترك حتى المساجد التي باتت هدف أساسي كل ليلة لصواريخ الاحتلال ، لكن مع مشهد الدمار والقتل ترى مشهدا غزيا آخر، يبدأ مع
لم أتوقع وأنا أتوجه إلى احد المنازل في حي “التفاح” بعد جدال طويل وموافقة صعبة من الأهل لتقديم التعازي لصديقتي مريم باستشهاد أخويها ، أن تقدر لي الظروف بان التقي احد مقاتلي كتائب القسام ، خرجت عن إطار الخوف والتردد للحديث معه رغم التحليق المكثف للطيران والأصوات المتفرقة للانفجارات ولم أفكر بشيء عندما سنحت لي الفرصة إلا بطلب لقاء قصير مع ” ابو هاجر” احد القادة الميدانيين لكتائب القسام كما علمت .
“يامعشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاء معظما له” كلمات قالها الحليس بن علقمة سيد الأحابيش لقريش الكافرة يوم منعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من أداء العمرة عندما جاء من المدينة قاصدا لها في العام 6هـ، والتي كادت أن توقع حربا ،فعقد على إثرها صلح الحديبية.
تعلمت أن الصمت أبلغ من الكلام ، وأنه أحياناً يكون تعبيراً عجز عن الفعل ، لكن عندما قررت في نفسي أن أوقف كتابتي قليلاً عن غزة، كان الصمت من نوع آخر، صمت مرّ يحمل معاني اليأس والخذلان.
أقسم بالله العظيم أن أراقب الله في مهنتي وأن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها ،في كل الظروف والأحوال باذلا وسعي في استنقاذها من الهلاك والمرض و الألم والقلق، وأن أحفظ للناس كرامتهم وأستر عورتهم وأكتم سرهم ، وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله باذلا رعايتي الطبية للقريب والبعيد ، للصالح والخاطئ ،والعدو والصديق …الــخ